الفتال النيسابوري

218

روضة الواعظين وبصيرة المتعظين

وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ « 1 » فكان أوّلهم بلغ قرب الجحفة ، فأمره أن يردّ من تقدّم منهم ، وحبس من تأخّر منهم في ذلك المكان ليقيم عليّا للناس ، ويبلّغهم ما أنزل اللّه عزّ وجلّ في عليّ عليه السّلام ، وأخبر أن اللّه تعالى قد عصمه من الناس . فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عندما جاءته العصمة مناديا فنادى في الناس ب « الصلاة جامعة » وتنحّى عن يمين الطريق إلى جنب مسجد الغدير ، أمره بذلك جبرئيل عليه السّلام عن اللّه تعالى ، وفي الموضع سلمات « 2 » ، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن يقمّ « 3 » ما تحتهنّ وينصب له أحجار كهيئة المنبر ؛ ليشرف على الناس ، فتراجع الناس ، واحتبس أواخرهم في ذلك المكان لا يزالون ، وقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فوق تلك الأحجار ، وقال صلّى اللّه عليه وآله : الحمد للّه الذي علا بتوحيده ، ودنا في تفريده ، وجلّ في سلطانه ، وعظم في أركانه ، وأحاط بكلّ شيء وهو في مكانه - يعني أنّ الشيء في مكانه - وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه ، حميدا لم يزل ، محمودا لا يزال ، ومجيدا لا يزول ، ومبدئا معيدا ، وكلّ أمر إليه يعود . بارئ المسموكات وداحي المدحوّات ، قدّوس سبّوح ربّ الملائكة والروح ، متفضّل على جميع من يراه ، متطوّل على جميع من ذراه ، يلحظ كلّ نفس ، والعيون لا تراه . كريم حليم ذو أناة ، قد وسع كلّ شيء رحمته ، ومنّ على جميع خلقه بنعمته . لا يعجل بانتقامه ، ولا يبادر بما استحقّوا

--> ( 1 ) المائدة : 67 . ( 2 ) روى محركة جمع سلمة للشجرة ويجوز أن يكون بكسر اللام جمع سلمة وهي الحجارة ( تاج العروس ) . ( 3 ) في المطبوع : « يقيم » والصحيح ما أثبتناه ، ويقمّ بمعنى يكنس وينظّف .